نظرية ابن تيميه السياسيه


لقد أدت تحليلات ابن تيمية لواقع الأمة وتاريخ ظهور الأئمة إلى نظرية الغلبة والقهر في تعيين الإمام، إذ يدل هذا التاريخ عنده على أن معظم الأئمة جاءوا نتيجة القهر والغلبة. ولم يحدث انتخاب على الطريقة الديمقراطية وفق مفهومها الحديث. وعندما حدث نوع من المبايعة، فقد كانت هذه المبايعة لاحقة على تمكن الإمام من السلطة، أي أن البيعة جاءت لتأييد أمر واقع وكتصديق عليه باستثناء حالة أو حالتين.

لكن لا يعني هذا أن الغلبة والقهر هما الجانب الوحيد في نظرية ابن تيمية، بل هناك جانبان هامان هما: النص، والمبايعة. غير أن الغلبة والقهر هما الجانب الأهم والأكثر فعالية، بدليل أن البيعة عنده ليست هي "بيعة أهل الحل والعقد"، كما عبر عنها بعض الفقهاء على نحو مثالي، وإنما هي "بيعة أهل الشوكة" أي ذوي القوة والسيف.

ولقد اختلف ابن تيمية عن جمهور الفقهاء حيث إنه يقول بثبوت إمامة أبي بكر بالنص وليس بالاختيار، ولم يذكر أن الإمامة هي خلافة للنبوة، وذلك راجع إلى رأيه القائل بانقضاء الخلافة التي هي على منهاج النبوة مع انتهاء فترة حكم الخلفاء الراشدين. ولكن مع كون الخلافة عنده انتهت بعلي فهو يقول بوجوب وجود الرئيس في الأمة، ولا يلجأ إلى جعل (قصة اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة) أساساً يقيس عليه تأسيس نظرية الإمامة أو الرئاسة العليا، ولكنه قال بضرورة وجود رئيس للأمة على أساس جديد.

ملخصه أن ضرورة وجود الرئيس في كل مجتمع هي نتيجة طبيعية باعتبار كون الإنسان مدنياً، وذلك كما يقول أرسطو.

وعلى هذا فالرئاسة عنده ضرورة اجتماعية، ولكنها ومن جهة أخرى فإن وجود الرئاسة أمر شرعي باعتبار أن كل إنسان عليه من التكاليف والأعمال بحسب قدرته، ومن هنا فعلى ذوي السلطان ما ليس على غيرهم من ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ الذي يعتبر مدار الشريعة عليه ـ وبالتالي فإن أقدر الأمة في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون هو الإمام الأعظم، وهذا ينبني على ما يمتلك من قدرات واقعية ذاتية، وهذا القائم في موقعية الإمامة حصل له ذلك نتيجة تملكه أكبر وأكثر القدرات في الأمة، هذا بالإضافة إلى كون الشرع أمر بطاعته بما ترتب عليه مضاعفة قدرته وسلطاته نتيجة تعزيز الأمر الشرعي للوضع الطبيعي القائم.

ومن هنا فإن ابن تيمية لا يعتني بالبحث عن القالب الذي تنعقد به الإمامة كما فعل عامة الفقهاء، حيث إن شرعية الإمام عندهم تتعلق على صحة الانعقاد والتولي بالكيفية التي ذكروها.

أيضاً ففي تصور ابن تيمية فإن الإمامة هي إحدى الولايات أو جزء من نظام الدولة، وإن كانت هي أكبر ولاية أو أكبر جزء، ولكنه لا يعتبرها مصدراً لسائر الولايات وهذا على العكس من تصور الفقهاء للإمامة، والذي يعتبر أن الإمامة هي مصدر السلطة للنظام، أي أن سائر الولايات تتلقى شرعيتها وسلطاتها عن طريقة التفويض من قبل الإمام، وعليه فالإمام هو مصدر الولايات، والرعية في الأصل مجردين من أي ولاية في تصور الفقهاء، وهذا يعني أن ابن تيمية خالف التصور الهرمي الفيضي العام الذي قامت عليه بنية الإمامة عند الفقهاء، وما هي إلا جزء منه، ولما خالف ابن تيمية الفقهاء في هذا التصور وتوابعه كان باعتبار أن الولاية عنده متعلقة بالقدرة، وعلى هذا فالولاية متوزعة بين الأمة بحسب قدراتهم، ومن هنا فقد بحثنا عن "الأمة" وتعريفها ومكانتها في فكر ابن تيمية.

ولقد كان مفهوم الأمة الحاضر في تفكير ابن تيمية ذا مضمون ديني، في حين يغيب عنه المعنى التاريخي والاجتماعي. فلم يدرس ابن تيمية مفهوم الأمة بصورة منهجية منظمة مجردة عن مفهوم الدين. وغلبة كل تصوره لها الارتباط بين الجماعة والشريعة، أو بين الأمة والدين فإن العقيدة تلعب دوراً محورياً في تشكيل الأمة وتحديد ماهيتها.

ومن هنا فإن مفهوم "الأمة" عند ابن تيمية يتوحد مع مفهوم "الملة" ومما أكد المضمون الديني لمفهوم الأمة عند ابن تيمية أنه نظر إلى الأمة باعتبارها الوارثة للنبوة.

وفي هذا الصدد تبين الفرق الجوهري بين تصور الفقهاء وتصور ابن تيمية، إذ يعتبر الفقهاء الإمام هو خليفة الرسول ? القائم بحراسة الدين والدنيا. ثم يستخلف رعاياه نيابة عنه بينما الأمة عند ابن تيمية هي الوارثة لخلافة النبي ?.

ومن ثم فإن ابن تيمية يعتبر الأمة مصدر السلطة من وجهة نظر خاصة رغم أن تفكيره يسير في أفق الدين إلا أنه بعيد كل البعد عن التفكير الديموقراطي، ورغم أن نظريته السياسية تؤدي إلى القول بنظرية القهر والغلبة إلا إنه لم يقل بالاستبداد الفردي، لأن الأمة تتولى ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاطبة وهي مقصود الولاية الإسلامية.

ومن هنا فإن الأمة مصدر من مصادر السلطة بينما السلطة في يد الحاكم في وجهة نظر الاستبدادية.

وإذا كان ابن تيمية قد قال بأن الأمة الإسلامية هي خير الأمم، فإنه لم ينظر إلى خيرية هذه الأمة على أنها ساكنة ثابتة في كل العصور، لذلك فإن هذه الخيرية تأخذ في التراجع على الدوام، لكن هذا التراجع لا ينسحب على كل طوائف الأمة، بل على كل من خالف أهل الحديث وهي الفرقة الناجية عنده. لأن هذه الطائفة ـ أي أهل الحديث ـ هي الحافظة للإسلام والرسالة عندما تغترب في الأمة.